السبت، 3 أبريل، 2010

حول سيد القمني

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‫

في ضوء بعض ماقيل مؤخرا عن الدكتور سيد القمني أحببت أن أسجل موقفي بخصوص هذا ‫، خاصة أن الجدال الذي دار حول حصول القمني علي جائزة الدولة التقديرية أثار إهتمام الناس بأعماله وأثار أيضا خلافات مريرة حول حق التعبير والفكر‫.‫

أقرأ للقمني وغيره منذ زمن بعيد‫.‫ أذكر جيدا أول كتاب قرأته له وكان إسمه ‫"‫موسي وأخر أيام تل العمارنة‫"‫ وتلا ذلك الكتاب تلو الكتاب‫.‫ ونظرا لحبي للتاريخ إهتممت بمراجعة مصادر هذه الأعمال والتحقق من المنهاج الذي إتبعه القمني في دراساته‫.‫ كان من الواضح في هذه الكتابات الأولي أن القمني يركز في أبحاثه علي قصص التوراة تحديدا ‫، فحين تكلم عن الأنبياء موسي وإبراهيم عليهما السلام فعل ذلك من منطلق توراتي بحت ‫، وكانت نظريته الأساسية هي أن التوراة قد تأثرت بأساطير الشعوب التي إختلط بها العبرانيين الأوائل كالبابليين والمصريين القدماء‫.‫ ومن هذا المنطلق يتناول القمني معظم الروايات التوراتية عن هؤلاء الأنبياء وغيرهم ويقارن ويفاضل بينها وبين أساطير هذه الشعوب‫.‫ عامة هذا ليس إتجاها حديثا وقد سبقه في ذلك العديد من المؤرخين التوراتيين الأوروبيين الذين لم يخفوا حقيقة كفرهم بالتوراة ككتاب سماوي منزل‫

علي الرغم من تركيز القمني علي التوراة ‫، يتضح للقاريء المدقق أن هذا الإتجاه فيه مافيه من التأثير علي القرأن ‫، حيث أن معظم قصص الأنبياء في التوراة لها قرينتها في القرأن ‫، فإذا كانت قصص التوراة أساطيرا فذلك ينطبق أيضا علي قصص القرأن‫.‫ إذا الرأي هنا هو رأي مضاد لمصداقية قصص الأنبياء بالقرأن ولكن يبدو أن المؤلف في هذه الفترة لم يرد أن يفتح هذا الملف علي مصراعيه فأشار فقط إلي النسخة التوراتية‫.‫ كان كل ذلك قبل أن يستجمع القمني شجاعته ليكتب مباشرة في الإسلام بكتابيه الشهيرين ‫"‫حروب دولة الرسول‫"‫ و‫"‫الحزب الهاشمي‫‫"‫‫.‫

كل ذلك في رأي المتواضع لا يقدح في سيد القمني كباحث له فكره ‫، علي الرغم من الملاحظة التي أشار إليها العديد من منتقديه ‫، وأنا أوافقهم ‫، أنه يتميز بالشيء ليس القليل من الإنتقائية في المصادر وما يأخذ به من أصول ‫، والأمثلة علي ذلك كثيرة ولكني لن أتطرق إليها هنا ‫، وقد أفرد لها يوما بحثا بكامله‫.‫

ما الموقف من القمني إذا‫؟

لاشك أننا ننادي بحرية الرأي الديني وأيضا حرية الرأي العلمي‫.‫ ونعلنها مدوية في جميع المحافل أن الرقابة علي الفكر ‫، أي فكر ‫، غير مقبولة ولا ينتج عنها ‫، خاصة في عصر الإنترنت ‫، إلا المزيد من الإهتمام بهذا الفكر المغضوب عليه‫.‫ أبلغ مثال علي ذلك هو الكاتب سلمان رشدي الذي أزعم لم يكن ليسمع عنه أحد إن لم تكن فتوي الخميني الشهيرة‫.‫ اليوم كتب رشدي تروج علي أنها من الأعمال الأدبية العظيمة‫.‫ وفي عصرنا هذا بالذات يستطيع الإنسان أن يجد علي الإنترنت نسخة من أي عمل مغضوبا عليه ‫، بل يجده محاطا بهالة من القدسية يعجب لها المرء ولم تكن لتكون هذه الهالة إن لم يثار كما من الغبار حول هذا العمل أو ذاك‫.
ولذلك أنا أقول‫: فلندع من يريد يكتب ما يريد‫.‫ هل سيتأثر به الناس ‫؟ نعم ‫، ولكن حجم هذا التأثير سيكون مناسبا لحجم الفكر ‫، لكن الهجوم عليه وإعطاءه حجما أكبر من حجمه يزيد من هذا التأثير زيادة غير مناسبة لحجمه الحقيقي‫.‫ فليكتب القمني ‫، ولينشر كتبه وأراءه ‫، ولندع الباحثين يكتبون ردودهم عليه ‫، ينتقدونه ليس من وازع ديني فقط ولكن أيضا من وازع علمي ‫، مفندين أراءه إن كانت قابلة للتفنيد وناقدين مصادره إن إستطاعوا‫.‫ فليكن الحوار أكاديميا كما يجب أن يكون‫.‫ وفي هذا لا ننسي حكمة الخالق في أيته‫ الكريمة:
فأما الزبد فيذهب هباء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض‫
‫ هذه الأية العظيمة التي أثبتت صدقها المرة بعد المرة ‫، فكم من كتاب وكم من رأي ذهب مذهب الريح ولم يتبقي لنا من كم العلوم والأداب الإنسانية غير ما أثبت نفعه المرة تلو المرة‫.‫
ماذا عن الجائزة‫؟ ماذا عن ما أثير حول شهادة الدكتوراه‫؟
أقول
في ما يختص بالجائزة فمن حق الدولة إعطاء أي جائزة لمن تراه جديرا بها ‫، ومن حق الشعب أن يراجع الدولة في هذا‫.‫ فليكن هذا حوارا قائما حول إن كانت الجائزة أعطيت لمستحق لها كباحث وكاتب ولندع دينه وإيمانه جانبا ‫، ففي هذا لا يحق لنا أن نراجعه‫.‫
أما بالنسبة لموضوع الدكتوراة فلا تعليق عندي في هذا إلا أن أقول‫: أنقدوا الرجل من كتاباته فهذا كل ما لكم عنده‫.‫ ما يفعله في حياته الشخصية من أخطاء ‫، إن كانت أخطاءا ‫، فلا دخل لنا بها ما لم تؤثر علينا تأثيرا مباشرا‫.‫ لقد قال الدكتور القمني أن شهادته قد تمت معادلتها من قبل المجلس الأعلي للجامعات ولم أسمع حتي اليوم تكذيبا لهذا‫.‫ فحتي هذا الحين سأستمر في تسميته بالدكتور‫ وسأستمر في القول أن لا شأن لي بهذا الموضوع‫.‫

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق