الاثنين، 29 مارس، 2010

أدب الحوار فى الإسلام...

4/23/2007

كل شخص منا لديه حلم أو رؤية مستقبليه يتمني أن تتحقق. كل شخص منا لديه فكره توصل إليها بعد جهد وتفكير ومعاناة، قد تختلف هذه الفكرة من شخص لآخر وقد تختلف الوسائل والطرق لتحقيق وإرساء تلك الفكرة. لقد خلق الله لنا لسان لنوصل به أفكارنا وعقل ليتدبر الآخر المتلقى تلك الفكرة ويحللها وبدوره يستخدم لسانه ليتحاور مع صاحب الفكرة. فإما يخرج الأخير على الأول بمنظور جديد يستوجب المزيد من الحوار والجدال المنطقي أو يوافقه على رأيه. ولكن من يأخذ الفكرة من لسان الشخص الأول ثم يقوم لسان الشخص الثاني بسب ولعن الأول فهذا يعني أن عقل الثاني لا يعمل. فلم يخلق الله لنا اللسان لنلعن ونسب بل لنفكر ونبني. فعندما قال نبي الله – صلوات الله عليه وسلامه – أن التغيير باللسان هو من أضعف الإيمان لم يكن يقصد أن تقوم بسب ولعن وإتهام من تعارض رأيه لفشلك فى التغيير. فنبي الله لم يكن سبابا ولا لعانا بل كان أخ كريم وإبن أخ كريم كما قال عنه أهل مكة عند الفتح العظيم.
والدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي الأول يؤكد على وجوب الجدال وعلى إحترام المتحاور وعدم البطش به والإدعاء عليه لتسفيهه وإرهابه. فالدين الإسلامي دين العقل ولم يكن أبدا دين للمسيرين بل للمخيرين الأحرار. فمن أراد أن يرث الإسلام أبا عن جد ويدافع عنه وهو أعمي بجهالة فله ما أراد ومن رفض وراثة الدين وتدبر الإسلام وغيره حتى أمن قلبه أن الإسلام هو دين الحق فدافع عن الدين وهو مبصر بالعلم فله أيضا ذلك. المسلم مخير وليس مسير وعلى هذا الأساس يكون حساب الله عادل. أما وجود الإرهاب الفكري والإجتماعي فيقف حائلا أمام هذا التخيير والذى وهبنا إياه خالق الكون. لقد أمرنا الله بالسعي فى الأرض وأمرنا أن نتدبر، ولكن بفرض الوصاية على العقول وإرهابها فأنتم تقفون أمام أمر الله. فما دام هدف الإنسان هو البناء وليس الهدم فإستمعوا إليه بعقولكم وليس بقلوبكم. والدين الإسلامي أرسي قواعد الحوار والجدال والذى يدعي البعض أن على المسلم المؤمن ألا يجادل وعليه بالإستماع لأهل الذكر والعلم والقبول بأراءهم حتي وإن كانت تعارض عقلهم الذى تدبر القرآن العربي الميسر للذكر.
ولنتعلم من السلف ومن الدين كيف يكون الحوار في الإسلام. فهذا هو عمر بن الخطاب يخطب على المنبر ومن حوله كبار الصحابة والعلماء والبسطاء. وكان يناقش مشكلة أجتماعية خاصة بعصره . فطلع برأي وإجتهاد يناسب عصره ولكنه يخالف القرآن. وكان الجمع ساكت وكأنه موافق، وكسرت المرأة السكون وخرجت برأيها والذى عارض رأي أمير المؤمنين والصحابي الجليل الذى جاهد مع رسول الله. طلعت المرأة برأيها قائلة: يا عمر: يعطينا الله وتحرمنا؟ أليس الله سبحانه وتعالى يقول: "وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً". ماذا كان رد أمير المؤمنين؟ قال وبكل بساطة وجراءة: "أصابت امرأة وأخطأ عمر". هذه هي المرأة التي تخرسونها وتجلسونها خلف الساتر والحجاب خيفة الفتنة فى القرن 21 ميلاديا، تقوم وسط الرجال فى القرن 7 ميلاديا لتقول رأيها وبكل قوة ولم تخاف بطش العلماء أو عذاب أمير المؤمنين. لوحدث هذا فى عصرنا لسمعنا الأقوال التالية:
يا ناقصة عقل ودين، إيش دراكى إنتى بكلام العلماء... وبعدين كمان صوت المرأة عورة، بتتكلمي ليه!
يا إمرأة، إتضعين نفسك وعلمك فى مقارنة مع رجل!
يا زنديقة، أتعدلين على صحابي جليل أمرنا الله بإتباعه، مؤكد أنت نصرانية أو صهيونية من الأحزاب إياها!!
إخرسى يا ولية يا منكرة السنة، كل اللي يقولوا العلماء أسيادنا معلوم من الدين بالضرورة!
ولكن هذا هو عمر بن الخطاب ومن حوله الصحابة المهاجرين والأنصار وتلك هي المسلمة التي تدبرت كتاب الله وصححت للصحابي والذى أمرها الله بإتباعه كما يدعي البعض. ولو كانت بيننا هذه السيدة الآن فى عصر الجهاد المقدس لجاءوا بها أمام الكاميرات وخلعوا ملابسها وجزوا رقبتها جزا وهم يهللون الله أكبر ثم يذيعوا الكليب العظيم على الإنترنت للتفاخر بجهادهم!!!
وليست إمرأة عمر بأخير من خوله بنت الاوس التي جادلت النبي صلوات الله عليه وسلامه فى حق من حقوقها وهو موضوع الظهار. فهاهي المرأة ظلت تجادل وتحاور ولا تتقبل أراء النبي (ص) حتي سمع الله شكواها ونزلت الآية الكريمة "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ". أي أن المرأة ظلت تجادل نبي الله (ص) ولم تقتنع برأيه حتي نزلت لها آية من السماء ترضيها وتعطيها حقها. إمرأة (ناقصة عقل ودين كما تدعون) تجادل نبي الله وهي تعلم إنه مبعوث الله وتعيش فى عصره، والمفروض إنها تعلم أن كلامه البشري وحي من الله كما يدعي البعض. ولكنها ظلت تجادل النبي (ص) فى وحيه "البشري" حتي نزل عليه الوحي السماوي الحق العدل ونطق رسول الله بالهدي الذى هدأ من روعها. لو كانت الأخت خولة بنت الأوس تعيش فى عصرنا لقامت الدنيا وأهدر دمها البرىء بحجة إنها تجادل جدال الشيطان. لكانوا سألوها:ا من أي بيئة أنتي يا "أم صابر" لتتبجحي هكذا ولا تقبلين بكلام النبي الذى لا ينطق عن الهوي! وكان سيسألها آخر: ياريت تعرفينا كيف تصلي لأن واضح أن أبويك لم يعلموكي مبادىء الإسلام الصحيحة". تتحججون بالدفاع عن نبي الله (ص) فلماذا لا تتخلقون بخلقه؟ لم نسمع إنه طرد خولة من بيته لأنها أبت أن ترضى بمنطقه – صلوات الله عليه وسلامه – حتي أن الروايات تقول أن السيدة عائشة كانت فى الغرفة المقابلة ولم تستمع إليهم وهذا دليل على الصوت الخافت الراقى فى الجدال. هذا هو الحوار فى الإسلام وهذا هو الجدال عند الرسول والمسلميين الأوائل. أين أنتم منهم يا من تدعون الدفاع عنهم؟
وليست خولة بأفضل من ملائكة الله الذى تقبل جل جلاله جدالهم له فى خلق الإنسان. الله خالق الكون، الله الجبار القوي، القادر الذى يقول للشىء كن فيكون يتحاور مع ملائكته فى خلق الإنسان. أهذا يعقل؟ تدبروا الآيات: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" الله، سبحانه وتعالي، يتحاور مع الملائكة قبل إصدار الحكم بجعل خليفة فى الأرض. الله الذى يميتكم ويحيكم يعلمكم كيفية الشوري والحوار يامعشر المسلمين... ولكن لا حياة لمن تنادي. وماذا قالت الملائكة والذين يعلمون بعدل وعلم الله: "قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ". الملائكة تجادل ربها! إنهم لم يقبلوا ويسجدوا فور سماع الخبر بل حاوروا لأنهم يريدون الإطمئنان بالرغم من علمهم أن الله هو السميع العليم وأن أمره نافذ إذا أمر جل جلاله. وماهو رد الله عليهم: "قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ". أي أن الله أثبت لهم ليطمئنوا أنه هو السميع العليم. وكان الله بقادر علي خسفهم ليريهم مدي قوته وعلمه ولكن الله أمهلهم الوقت ليثبت إنه العليم الخبير"أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ". لماذا لا تتعلمون أسلوب الحوار الحق من كتاب الله. العالم الكافر يتحاور بإسلوب الإسلام ونحن نتحاور بإسلوب الجاهلية وندعي الدفاع عن الرسول ورسالته. ألسنا مجتمع منافق بحق؟
وآخيرا ها هو الرجيم يجادل ربه وها هو الرب يمهله. الله القوي الجبار القادر على سحق إبليس الخبيث يجادله ويحاوره، وتدبروا الآيات: "قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ". أبليس إمتنع عن تنفيذ الأمر. ماذا فعل به الله؟ هل بطش به؟ "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ". سبحان الله الذى علمنا كيف نتعامل مع المعارضين. الله العليم الخبير يسأل إبليس الرجيم ويستفسر منه عما منعه من السجود. أين نحن من هذا السلوك الذى نفتقده اليوم فى عالمنا المدني! ولننظر باقى الحوار بعد أن أمره الله بالهبوط من الجنة لأنه من الصاغرين: "قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ". لا تعليق! نطالب بمجتمع مدني يسوده العدل وحرية الرأي والحقيقة أن الإسلام أرسي قواعد هذا المجتمع المدني ولكننا طمسنا هذه الميزة بجهالة.
يا ليت كل من يدعي الدفاع عن الإسلام فى وجه المفكرين والمثقفين والمسلميين الآخريين أن يتخلقوا بخلق الإسلام الحقيقي وخلق الرسول السوي. فرسول الله لم يكن لعانا ولا سبابا ولامنافقا وهو برىء من كل ما نفعله اليوم سواء فى شرق البلاد العربية أو غربها. رسول الله أرسى قواعد الدولة المدنية القائمة على مبادىء الإسلام العادل والذى لا يجب أن يرهب فيه مفكر أو يظلم فيه كتابي أو يقتل فيه مسلم برىء. إذا إلتزمنا بأدب الحوار الإسلامي وما أعطاه لنا الله من حق التدبر والسعي سنرتقي بأمتنا إلا أعلي الدرجات. ووقتها سنعرف حقوقنا وما لنا وما علينا ولن نرضى بظلم الحاكم ولن نرضى بظلمنا للناس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق