الجمعة، 26 نوفمبر، 2010

إعمال العقول في فهم الأصول

إعمال العقول في فهم الأصول


بقلم سانب

إتفق فقهاء الإسلام عبر العصور علي أن المصدرين الأساسيين في فهم رسالة الله إلينا المتمثلة في شريعة محمد هما القرأن الكريم والسنة النبوية ‫(‫‫بالإضافة إلي الإجماع والقياس وبعض المصادر الأخري المختلف عليها بين السنة والشيعة)‫‫.‫ والقرأن المتعارف عليه هو كلام الله قولاً ومعني المتمثل في ما بين دفتي المصحف‫ الذي بين يدينا اليوم‫ ولا خلاف بين الطوائف الإسلامية المختلفة حول محتواه بما في ذلك تعدد القراءات والأحرف‫.‫ وقد وعدنا الله سبحانه بحفظه من كل تحريف في قوله تعالي ‫"‫‫إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"‫‫.‫ ولذا فنحن ‫"‫مسلمون ولكن‫"‫ نؤمن إيماناً عقائدياً قطعياً بالقرأن وحجيته وأنه ذات القرأن الذي نزل علي محمدٍ بن عبد الله طوال ثلاثة وعشرون عاماً هي عمر الرسالة‫.‫
أما السنة فعليها من الإختلاف ما عليها ‫، ولا حاجة لنا مثلاً إلي توضيح الفرق بين المرويات عند أهل السنة وبينها عند الشيعة ‫، أو موقف الرافضين تماماً لكل ما هو خلاف القرأن ‫، فكل ذلك معروف لأي مسلم‫.‫ ومما يزيد الأمر غموضاً هو الإختلاف حول السنة بين أفراد الطائفة الواحدة ‫، مثلاً في أهل السنة يختلف السلفيين مع الأشاعرة مع المعتزلة مع المجددين حول مرجعية وحجية السنة ودرجات ثبوتها عن الرسول عليه الصلاة والسلام ‫‫، ويختلفون حول الأحاديث نفسها مابين تضعيف وتصحيح ، ناهيك عن قصص الصحابة وما روي عنهم‫ من أراء فقهية وتفاسير قرأنية.‫

فما هو الموقف الفيصل في هذا الموضوع‫؟ ماهي مصادر رسالة الله إلينا وكيف نفهمها‫؟ ماهي فرائضه وأحكامه‫؟ هل أرسل الله إلينا حقاً رسالة تحكم كل تفاصيل حياتنا من مولدنا حتي الممات ‫، بما في ذلك شعائر العبادة وأحكام التجارة وطريقة الأكل والشرب والمعاشرة الزوجية ودخول الخلاء‫؟ هل يريدنا الله حقاً ألات مبرمجة ومسيرة بحسب برنامج تفصيلي وضعت قواعده منذ أربعمائة وألفاً من الأعوام ويحكم كل شئون حياتنا إلي أدق تفاصيلها بلا أقل مساحة للتفكر والتدبر وإعمال العقل ‫، حتي وصل بنا الحال إلي التساؤل عن الحلال والحرام في كل شيء‫؟ وكيف نحدد الإجابة وعلي أي الأسس‫‫؟ في هذا المقال نراجع ‫، بإختصار شديد ‫، الأصول الإسلامية في محاولة أولية للإجابة علي هذه التساؤلات‫ وإمعاناً في توضيح منهجنا ودستورنا الموجز في http://muslims-however.blogspot.com/2010/04/blog-post_25.html.‫

أولاً ‫: القرأن الكريم
من الثابت تواتراً أن القرأن الكريم قد نزل علي محمد بن عبد الله متقطعاً ‫، أيةّ أية وجزءاً جزءا ‫، علي مدي ثلاثة وعشرون عاماً هي عمر الرسالة‫.‫ وأن الرسول الكريم قد أملاه علي صحابته حتي حفظوه وإتفقوا عليه‫.‫ ونحن نفترض صحة هذا التواتر ‫ونسلم به ‫(‫‫إيماناً بالوعد الإلهي في القرأن نفسه)‫ ، علي أن لا ننسي أن بعض حفاظ القرأن كان لهم بعض الأراء الإجتهادية في نص القرأن ذاته  قد تثير بعض الشك في تواتره‫ عند بعض الدارسين.‫ مثالاً علي هذا ما روي أن عبد الله بن مسعود أنكر أن المعوذتين هما جزء من القرأن الكريم ‫، معتبرهم أدعية لا غير‫.‫ ولكن باقي كتبة الوحي إختلفوا معه في هذا وكتبوا المصحف القانوني الذي وصل إلينا بما في ذلك المعوذتين‫.‫ عموماً نحن نترك للمؤرخين الإسلاميين مهمة تأكيد أو نفي هذه الروايات ودراسة تأثيرها علي فهمنا لنص القرأن ‫، ونأخذ بنص المصحف الذي بين يدينا الأن علي أنه نفس ذات المصحف الذي إتفق عليه الحُفَّاظ نقلاً عن الرسول الكريم ‫، وإيماننا هذا إيماناً عقائدياً لا علمياً ‫، تاركين دراسة علمية هذا المعتقد للمهتمين بذلك‫.‫

من أهم أصول المعتقد الإسلامي أن القرأن كتاب مُعْجِز لغةً ومحتوي ‫، وقد نزل علي عرب الجزيرة اللائي عرفوا بإتقانهم للغة وبلاغتهم فرأوا فيه نصاً لا هو بشعر ولا هو بنثر بل هو شيئاً جديداً لا يقال فيه بأقل مما قال الوليد بن المغيرة "إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه يعلو وما يعلى عليه ".ومما أثار العجب عندنا في باديء الأمر أن نص القرأن الذي نزل متفرقاً علي مدي عمر الرسالة قد تم ترتيبه ترتيباً مخالفاً لترتيب التنزيل ‫، وقد روي أن هذا الترتيب ترتيباً إلهياً علي لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ‫، ولا يسعنا هنا إلا أن نقبل هذه المقولة من واقع إيماننا العقائدي بأن القرأن محفوظ من التحريف‫.‫ فلا شك لدينا أن ترتيب القرأن الحالي هو ما أراده الله لكتابه العزيز وذلك لحكمة نعتقدها واضحة‫ ونسردها بأسفله.‫

فليتفكر معي القاريء في السيناريو الأتي‫: لنختر من التاريخ الإنساني أديباً عظيماً ‫، ولنقل مثلاً وليام شكسپير ‫، ولنضع أمامه تحدياً قوامه كالتالي‫: أن يكتب مسرحية من مسرحياته علي مدي ثلاثة وعشرون عاماً بالشروط الأتية‫: أولاً أن ينشر كل يوم أو كل بضعة أيام سطراً واحداً أو بعض السطور القليلة من المسرحية ‫، ثانياً ان لا تكون هذه السطور بالترتيب الصحيح ‫، ولكن ينشر اليوم مثلاً سطراً من نهاية المسرحية وينشر غداً سطراً من أولها ‫، ثالثاً أن تكون معظم هذه السطور هي ردود فعل لأحداث حدثت في يوم نشرها ‫، أو علي الأقل ذات محتوي ملائم للظروف الراهنة ‫، رابعاً أن يجمع كل هذه السطور في نهاية المدة ويرتبها الترتيب اللائق بسياق معانيها وينتهي به المطاف إلي عمل فني رائع ك‫"‫هاملت‫"‫ مثلاً‫.‫
لاحظ عزيزي القاريء أن شكسپير ‫، في هذا السيناريو الخيالي ‫، ليس مسموحاً له مثلاً أن يكتب المسرحية في أول المدة كاملة ثم ينشرها عشوائياً سطراً بسطر كل يوم ‫، لأن هذا يخل بالشرط الثالث ‫، فإذا أراد أن يكتبها في بداية المدة كاملة مرةً واحدة فلن تكون سطورها ردود أفعال لأحداث في علم الغيب لم تحدث بعد!‏ ماذا سيكون رد شكسپير علي ذلك التحدي‫؟ أنه مستحيل طبعاً ‫، أو علي الأقل علي قدر من الصعوبة مما قد يفرض عليه أن يتفرغ لهذا العمل تفرغ كامل لا يفعل معه شيئاً سواه‫.‫ ناهيك عن أن تكون له حياة عادية كزوج وأب ‫، ناهيك أن تكون له حياة سياسية كقائد لدولة وجيش‫ محارب.‫ إن عملاً كهذا لا يقدر عليه إلا الله خالق السموات والأرض‫.‫
فإننا نري إذاً إنه حين يتحدي الله البشر في العثور علي تناقض في القرأن الكريم بقوله "‫‫أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا"‫ فإنه يشير ليس فقط لمحتوي القرأن ولكن أيضاً لطريقة تنزيله‫.‫ فمن هو هذا الكاتب أو الأديب الذي يستطيع أن يكتب كتاباً علي مدي ثلاثة وعشرون عاماً ينشر منه نصوصاً متقطعة في غير ترتيبها النهائي ‫، ويكون كل من هذه النصوص ‫، أو أكثرها ‫، رداً لحدث راهن من الأحداث أو متناسقاً معه ‫، ثم يرتب عمله هذا ترتيباً غير الذي نزل به فنجده في النهاية كتاباً متناسقاً متصل السياق بلا تناقض وبلا إختلاف في معانيه ‫(‫‫مع ملاحظة أن أسلوب القرأن مختلف تماماً عن أسلوب الكتب العادية من تسلسل مباشر ‫، ولذا يجد بعض الناس صعوبة في إستقراءه وفهمه)‫‫؟ ألا يدلنا هذا ‫علي ألوهية القرأن وأنه بالفعل كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من وراءه أومن خلفه‫؟ كلما إستزدنا في دراسة القرأن كلما زادت عندنا القناعة بهذا الإعجاز المذهل في طريقة كتابته وأسلوب تنزيله‫.‫ فأياته نزلت لأسباب فهمها الأولون في سياقها ‫، وفي نفس الوقت فإن الأيات لها فهمها الذي قد تختلف تفاصيله عن الفهم الأصلي إذا نظرنا إليها مجردة عن أسباب نزولها ‫، ومع ذلك فإن هذا الفهم أو ذاك ينتهيان بنا إلي نفس ذات النتيجة‫!‏‫ من ذا الذي يستطيع أن يكتب كتاباً مثل هذا‫ إلا إذا كان إلهاً كلي العلم مطلق القدرة‫‫؟

ومنذ بداية التاريخ الإسلامي كان القرأن ومعاني أياته الشغل الشاغل للفقهاء والدارسين ‫، بداية بالصحابة ‫، ومروراً بالمفسرين الكبار أمثال إسماعيل بن عمر بن كثير ومحمد بن جرير الشهير بالطبري وإنتهاءاً بالأئمة الأربعة وغيرهم من المتفقهين كإبن تيمية وإبن حزم الأندلسي‫ وتلاميذهم‫.‫ وقد ذخرت هذه القرون الأولي من الهجرة بأعمال هؤلاء الدارسين التفسيرية والتحليلية للقرأن ‫، وكانت من حيث الكم والكيف مما أعطي إنطباعاً لدي العامة والعلماء سواء أننا وصلنا إلي نهاية المطاف في فهم الأصول وأحكام التشريع الإسلامي المستنبطة اساساً من القرأن ومصادر الإسلام الأخري‫.‫ فشاع بين المسلمين ‫(‫‫ربما عن عمد)‫ أن باب الإجتهاد في الأصول قد أغلق وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان كما يقولون‫‫.‫ ذلك وخاصةً أن معظم هؤلاء الفقهاء قد حاولوا ‫، بنسبة كبيرة من النجاح ‫، إستنباط الأحكام الشرعية لكل الحالات والإحتمالات الحياتية الممكنة والغير ممكنة‫.‫ فنجدهم وضعوا قواعد الصلاة والحج وغيرها من المناسك بأدق تفاصيلها ‫، وسألوا وتساءلوا واجابوا عن حكم الشرع في كل ما يمكن حدوثه من مواقف ‫، حتي أننا نجد في كتب الفقه كل عجيب وغريب ‫، من أداب الأكل ودخول الخلاء ‫، لقواعد الغسل والطهارة بعد إتيان البهائم‫!!‏!‏‏ فغطوا بذلك كل ما طرأ أو قد يطرأ ‫، في تصورهم ‫، من اسئلة‫ شرعية‫.‫ ولم يتبقي أمام العلماء اللاحقين إلا الإفتاء في ما قد يطرأ من جديد في الدنيا معتمدين في ذلك علي القواعد والأسس التي وضعها الأولون ‫، لا يخرجون عنها ولا يبتدعون غيرها ‫، مهما تطورت الحيوات وإرتقت المجتمعات ‫، ذلك بإستثناء القلة القليلة ممن يسمون بالمجددين أمثال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله ‫، اللائي لم يستمر منهجهم بعد مماتهم ولم يتطور فكرهم بأبلغ مما فعلوا هم في حياتهم ‫، وما أظن هذا إلا راجعاً لشيء من الخوف من التجديد والقلق من كل جديد ‫، فلماذا نغير في الأصول الشرعية وقد وضع لنا أئمتنا الأوائل كل الأسس والشروط ولا حاجة لنا بغيرها‫؟ وحسبي أن لو كان هؤلاء الأوائل من كبار الأئمة يعلمون أن الإجتهاد سيتوقف عندهم لعجبوا كل العجب ودهشوا مبلغ الدهشة ‫، فمن كان في علمهم وفهمهم لابد وأن يعلم أن الدنيا تتغير وتتطور بما يجدد الحاجة إلي إعادة النظر في الأصول من وقتٍ إلي أخر‫.‫ ولعل هذا كان مقصد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حين قال ‫، إن صحت الرواية‫: ‫" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها‫.‫"‫
ولكن ‫، أليس الحق في أن الأصول فعلاً لا تتغير‫؟ ألم يكن هؤلاء العلماء والأئمة الاوائل من العلم بمكان ‫، ومن القرب الزمني من عصر الرسالة ‫، بما يجعل أراءهم هي بالفعل منتهي العلم الديني وغاية الفقه‫؟ الحقيقة أنني لست أري ذلك ‫، لأسباب عديدة وأمثلة لا تحصي‫.‫ فمن مستجدات العصر ما يستدعي التجديد في الأصول الفقهية ‫ذاتها ، فما من شك أن تقدم العلم وتطور الفكر الإنساني الذي نراه اليوم يستتبعه تساؤلات فقهية لم يجب عليها الأولون ولا خطرت ببالهم‫.‫ وهي من العمق بمكان مما يستتبعه إعادة النظر في الأصول أولاً عن أخر ولا يكفي معه مجرد الإفتاء إرتكازاً علي القواعد التي أرساها السلف‫.‫ فنحن اليوم في أمس الحاجة إلي هذا التجديد‫.‫ ونحمد الله علي ظهور بعض الدارسين الجدد الذين رأوا كما نري أن النص القرأني ثابت ولكن الفهم متغير بتغير الفكر الإنساني وأن هذا هو مقصد الله في رسالته إلينا وأصل مقولة أن القرأن لكل زمان ومكان‫.‫ من هؤلاء علي سبيل المثال لا الحصر الأستاذ جمال البنا والدكتور محمد شحرور والمهندس عدنان الرفاعي والمستشار سعيد العشماوي وغيرهم‫.‫ ومما يثير الإنتباه أن كل هؤلاء من غير ‫خريجي المعاهد الدينية ولم يتلقوا دراسة فقهية رسمية ‫، مما يجعلنا نتساءل إن كان هذا من مؤثرات إتخاذهم لإتجاهات جديدة في فهم النص الديني بعيداً عن الدوجماطيقية السلفية في الهيئات الدينية الرسمية كالأزهر ومثيله‫.‫
هل معني كلامنا هذا أن الفقهاء الأولون ‫، بمن فيهم الصحابة ‫، أخطأوا في دراساتهم‫‫ حتي نحتاج إلي الجديد مما يصحح أخطاءهم‫؟ في تصوري أن الإجابة بالنفي ‫، فمن المعلوم أن رأي المفسر والمحقق والفقيه غالباً ما يتأثر بواقع بيئته وزمانه ‫، بل أنني أزيد وأقول لو أن الإمام الأكبر أبو حنيفة النعمان مثلاً ولد من جديد في زماننا هذا ورأي وعايش التطور الإنساني المعاصر لإختلفت أراء كثيرة له ‫، ولو كُتِبَ لإبن كثير أن يُبْعَث في القرن الواحد والعشرين ليعيد كتابة تفسيره الشهير لما أدرج فيه كثيراً مما أدرج من التفسيرات الصحابية التي نعلم في يومنا هذا أنها خطأ بلاشك ‫(‫أنظر ‫، علي سبيل المثال ‫لا الحصر ، الرأي الذي أدرجه إبن كثير منسوباً لعبد الله بن عباس في تفسير معني ‫"‫النون‫"‫ في سورة القلم‫)‫‫.‫ فتفاسيرهم وفقههم المتأثر بزمانهم لم تكن خطأً مطلقاً ولكن كانت بالأحري صواباً نسبياً ‫، نسبة إلي هذا الزمن وهذه البيئة ‫، وإعادة النظر فيها بناءاً علي بيئة جديدة وزمناً أخر قد تعطي معاني جديدة لأيات القرأن وعمقاً مختلفاً لأصول الفقه‫.‫ ونحن ندعي أن كل هذه المتغيرات في فهم النص مقبولةً عند الله حتي وإن تناقضت مع بعضها البعض ‫، فالنص ثابت مطلق ولكن الفهم متغير نسبي‫.‫ وهذا ليس برأي جديد ‫، فقد قال بعض الشافعية مثلاً أن كل ماتحتمل الأيات من معاني هو مقبول عند الله وأدرك بعض المعتزلة أيضاً أن الفهم القرأني تحديداً لابد وأن يكون متغيراً بتغيرات العصر والبيئة‫.‫
كيف نفهم النص القرأني إذاً‫ إن لم نأخذ بتفاسير الأقدمين مُسَّلَّماً بها‫؟ ومن يقوم بهذه المهمة الصعبة‫؟ أنترك كل من هب ودب يقرأ القرأن ويفسره‫؟ أم ترانا نضع شروطاً للتفسير مثل أن يكون القاريء خريج جامعة معينة متخصصاً تخصصاً معيناً‫؟ نري أن هذا الرأي الأخير له من العيوب أكثر من المميزات‫.‫ فدين الله ليس كالعلوم الدنيوية‫ لها كلياتها ومدارسها ‫، فنحن نعلم أن الخالق سبحانه وتعالي لم يفرض علي دارس القرأن شروطاً ومواصفات ‫، ولم يثبت عن الرسول قولاً في هذا‫.‫ القرأن رسالة لكل مسلم ‫، من حق كل مسلم أن يقرأها ويفهمها‫. إذا إشترطنا أن يكون  القاريء بمواصفات معينة فهذا يؤدي علي المدي البعيد إلي نوعاً من الكهنوت يرفضه القرأن نفسه‫.‫ فنحن بهذا نقول ما معناه أن الطريق إلي فهم رسالة الله لا يكون صحيحاً إلا من خلال أشخاص بعينهم ‫، لهم مواصفات بعينها ‫، أي أن طريق الجنة لا يكون إلا من خلال هؤلاء ‫"‫المتخصصون‫‫‫"‫ ‫،‫ وهذا هو تعريف الكهنوت بعينه‫.‫ فماذا إذاً إذا تركنا كل من يريد أن يقرأ القرأن ويفسره ويشرحه كما يري‫‫؟‫ إلام يؤدي هذا‫؟ يري بعض الناس أن هذا سيؤدي إلي فوضي في فهم الإسلام وبدلاً أن يكون هناك ديناً واحد لمليار مسلم سيكون هناك مليار دين لكلِ مسلم‫.‫ ولكننا نلفت النظر أن هذا هو بالضبط ما حدث في القرون الأولي للهجرة ‫، كان كل من يريد أن يقرأ القرأن ويفهمه ويفسره ويؤلف فيه الكتب يفعل هذا ‫، بلا ضابط ولا رابط من سلطة أو دولة‫ في أغلب الأحيان.‫ وكُتِبَت بالفعل الكثير من الكتب ‫، أغلبها لم يصل إلينا ‫، فلم يصل إلينا فعلياً إلا الكتب التي غلبت حجتها الأخرين ‫(‫‫مع إدراك أن بعض الكتب قد دُمِرَت بفعل فاعل كما حدث للكثير من أعمال المعتزلة)‫ ‫، فالعلم القرأني ‫(‫‫كأي علم)‫ يغربل نفسه بنفسه ‫، وتتضارب الحجج والأدلة والبراهين فلا يطفو منها إلا الصحيح ‫، كونه صحيحاً نسبةً إلي عصره كما اسلفنا ‫، ويذهب الباطل في غياهب النسيان‫.‫ ولايجب أن يُفْهَم من كلامنا هذا أننا نطالب أن يقوم كل مسلم بالدراسة الكافية المطلوبة لفهم الدين ‫، أبداً ‫، فليفعل ذلك فقط من لديهم المقدرة علي ذلك ‫، أما سائر المسلمين العاديين فلا جناح عليهم ‫، في ما نري ‫، في الأخذ بأنسب الأراء وأكثرها شيوعاً في مجتمعهم‫ بما يناسب ضمير كل فرد.‫

فلنفتح الباب ‫، ولنترك من يريد أن يكتب يكتب ‫، ومن يريد أن يفسر يفسر ‫، بلا رقابة ولا تكفير‫.‫ ولنترك القراء والمسلمون يحكمون بأنفسهم ويفرقون بين الحق والغث‫.‫ ولنتذكر كلام الله عز وجل حين قال ‫"‫‫فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"‫‫‫.‫ ورحم الله الصحابة والعلماء الأوائل الذين إجتهدوا من واقع ضميرهم وفكرهم ‫، ولم نسمع أن أحداً منهم كَفَّرْ مخالفيه ‫، حتي حين إختلفوا في الأصول وفي مانسميه اليوم بالثوابت المعلومة من الدين بالضرورة‫.‫ من أقوي الأمثلة علي ذلك إجتهاد سيدنا عمر بن الخطاب بلا نص وإلغاءه لسهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة ‫، طبقاً للقصة الشهيرة‫.‫ ناهيك عن الخلاف الفقهي حول تحريم الخمر ‫والغناء في العصر العباسي الأول ‫(‫‫فلينظر القاريء مثلاً رأي الإمام أبو حنيفة في تحليل بعض أنواع الخمور بقدرٍ غير مسكر ‫، فلا كفره أحد ولا إتهمه أحد بالخروج عن ثوابت الدين)‫‫.‫

ثانياً ‫: السنة النبوية
هي أفعال وأقوال الرسول عليه الصلاة والسلام ‫، فقد كان كما قالت عنه السيدة عائشة قرأناً يمشي علي الأرض‫.‫ فمما لا شك فيه أن محمداً بن عبد الله كان متحلياً بجم الخلق وبحلو السيرة ‫، ودليلنا علي هذا ليس السنة ولكن القرأن نفسه ‫إذ يقول ‫"‫‫وإنك لعلي خلق عظيم"‫‫ ‫‫، "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضو من حولك‫‫" ‫وغيرها من الأيات ‫، ناهيك عن ما رُويَ من مرويات.‫ وهذا كله منطقي جداً ‫في نظرنا ، فإن لم يكن الرسول علي درجة عالية من الذكاء والخلق الرفيع والشخصية الكاريزمية لما تبعه الناس ولما نجح منفرداً في إقامة دولة توحدت فيها شعوباً كانت أقل ما يقال فيها أنها قبائل بدائية تعيش علي شريعة الغاب‫.‫ وهو في حد ذاته إنجازاً تاريخياً فريداً يحسب لشخصية محمدٍ كإنسان ‫، بغض النظر عن صلته بالسماء‫.‫

وقد إختلف المتفقهون حول السنة أيما إختلاف ‫، فهناك الخلاف حول حجية أقوال الرسول نفسها‫.‫ هل تُلْزِم المسلم كما يُلْزِمُه القرأن‫؟ الشيء المؤكد أن الإجابة علي هذا السؤال ليست بالأمر السهل ‫، فالقرأن يأمرنا بطاعة الرسول في أكثر من موضع ‫، مثلاً ‫"‫‫يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً"‫‫.‫ ولكن هذا يثير أكثر من تساؤل‫: هل هذه الأية موجهة إلي المسلمين أيام الرسول فقط أم أنها أمر عام لكل الناس إلي أن تقوم الساعة‫؟ هل طاعة الرسول تكون في حياته فقط أم تستمر بعد وفاته في صورة ما روي عنه من أحاديث‫؟ فإذا كانت الأولي فلا حاجة إذاً لدراسة السنة ويصبح القرأن هو المصدر الوحيد للعلم الإلهي‫ ونجد أنفسنا واقفين موقف المتسائل عن المواضيع التي لم يوضحها القرأن ولم يشرحها ‫، مثل مناسك الصلاة والحج ‫، وتركها للرسول ليعلمها للمسلمين.‫ وإن كانت الثانية فتصبح أحاديث الرسول وسنته المروية عنه مصدراً أساسياً كالقرأن ‫‫، مضاهياً له ومكملاً‫.‫ وهذا مما يتعارض مع القرأن نفسه حين يقول ‫"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ‫"‫، ‫"‫‫أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً‫"‫ و‫"‫‫وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‫، وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ‫"‫.ويتبع هذا أيضاً سؤالاً منطقياً‫: لماذا ينزل الله إلينا رسالة في جزأين ‫، جزء لا خلاف عليه مطلقاً ‫، وهو القرأن ‫، محفوظاً من التحريف والجدال حتي قيام الساعة ‫، وجزءاً مختلف عليه متروكاً للتفسير وللتخريج ولتحليل الإسناد ولعلوم الجرح والتعديل وخلافه ‫، أي متروكاً لنا لنحافظ عليه ونحدد إن كان صحيحاً أم لا‫؟‫ جزءاً يحميه الله نفسه إلي قيام الساعة ‫، وجزءاً متروكاً للبشر بنواقصهم وأخطائهم‫.‫ وإذا كان هذا صحيحاً لحكمة لا يعلمها إلا الله ‫، فلماذا لم يهتم صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام بتدوين السنة في مجلدات قانونية فور وفاته ‫، أو حتي في حياته ‫، كما إهتموا بتدوين القرأن وأفردوا لهذا الإجتماعات والنقاشات‫؟ لماذا مرت عقوداً طويلة قبل أن يفكر أي أحد في تدوين الأحاديث النبوية حتي إضطروا أن يبتكروا لها علوماً ودراسات لتحديد مدي ثبوتها عن الرسول عليه الصلاة والسلام‫ ‫، أي إن كان قالها أم لا؟ لو كانت السنة قد دونت فور وفاة الرسول لما طرأت مشكلة الثبوت أصلاً‫ كما لم تطرأ حول القرأن‫.‫ فلا يوجد مثلاً سلسلة عنعنة في رواية ايات القرأن ولا حاجة بنا إلي دراسة سند لا وجود له.‫
هكذا نري أننا أمام مشكلة كبيرة ‫، فكلٌ مننا يريد ان يفهم رسالة الله إليه وأوامره وفروضه فلا مناص إذاً من التساؤل حول حجية السنة‫.‫
يزداد الأمر غموضاً عندما نتدبر الأيات القرأنية الشهيرة التي تقول ‫" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى"‫‫.‫ يستدل بعض المفسرين بهذه الأيات في أن كل ما نطق الرسول وخرج عن لسانه ما هو إلا وحياً من الله ‫‫، ولكن هل هذا صحيح‫؟ القرأن نفسه ينفي عموم ذلك ‫، فيضرب لنا أمثلة شهيرة من أفعال وأقوال الرسول كانت ولا شك أخطاءاً بشرية وقع فيها ‫، صلوات الله وسلامه عليه ‫، ولامه القرأن عليها صراحةً‫.‫ مثلاً قوله تعالي في لوم الرسول‫: ‫"‫‫عَبَسَ وَتَوَلَّى ‫، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى ‫، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ‫، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ‫، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ‫، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ‫، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ‫، وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى ‫، وَهُوَ يَخْشَى ‫، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى"‫‫.‫ وهذه الأيات الكريمة تروي قصة شهيرة يعرفها كل طالب في المرحلة الإبتدائية‫.‫ الخطأ الثاني رواه الله لنا بقوله ‫"‫وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ"‫ ‫، وأيضاً ‫"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"‫‫.‫ أما ما هو تحديداً ذلك الحلال الذي حرمه النبي علي نفسه فهناك روايتان علي ذلك في كتب التفسير‫، وأحب هنا أن احيل القاريء إلي أبدع ما قرأت في تحليل هاتين الروايتين تحليلاً علمياً وهو كتاب ‫"‫حياة محمد‫"‫ بقلم محمد حسين هيكل باشا رحمه الله ‫(‫‫http://www.scribd.com/doc/1146972/-)‫‫.‫ ولكن في ما يختص بموضوعنا هنا ‫، تفاصيل هاتان الروايتان لا تعنينا‫.‫ ما يعنينا من هذه الأية أنها تثبت أن هناك واقعةً محددة قد حرم النبي فيها شيئاً حلله الله ‫، وذلك ولا شك عن ضعفٍ بشري ‫(‫‫‫"‫‫قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي"‫)‫‫.‫ ونلاحظ ايضاً أن الأية تقول ‫"‫‫يا أيها النبي"‫ ولم تقل ‫"‫‫يا أيها الرسول"‫ ‫، مما يؤكد أن الكلام موجه إلي محمدٍ بن عبد الله ليس بصفته رسولاً حاملاً رسالة إلينا ولكنه بصفته نبياً ‫فقط ، والفرق واضح‫ وهام.‫ فالرسول في المفهوم القرأني هو حامل لرسالة من الله سبحانه وتعالي وينقلها بلا تحريف أو خطأ‫.‫ ولكن النبي إنسان بشر إصطفاه الله ومد إليه قنوات إتصال‫.‫ وكل رسول نبي ولكن ليس كل نبي رسول‫.‫ من أمثلة الرسل محمد ‫وعيسي وموسي ونوح وصالح وهود ‫، ومن أمثلة الأنبياء أدم ويوسف ويحي وإسماعيل وإسحق وأيوب‫ ‫، عليهم السلام جميعاً.‫ فالقران حين يخاطب محمد في أحكام الرسالة يكلمه بصفته الرسولية ‫، ولكن حين يخاطبه بشخصه يكلمه بصفة النبوة‫.‫ ما نراه أن هذه الأيات الكريمة قد أوضحت بما لا يقبل الشك أن هناك علي الأقل ثلاث وقائع تصرف فيهما النبي بلا وحي من الله فأخطأ ‫(‫‫لأنه لم يكن يفعل ذلك من مقامه كرسول حاملاً أميناً لرسالة لا يأتيها الباطل)‫‫.‫ مما ينفي أن كل ما قال أو فعل النبي في حياته هو وحي‫ من عند الله.‫ فعصمة محمد عن الخطأ هي في مايختص بتبليغ الرسالة فقط وليس في كل أمور حياته‫.‫ فكيف نفهم هذه الأيات إذاً في ضوء أية سورة النجم‫؟ لانري إلا حلاً واحداً لهذه المعضلة ‫، وهو أن الوحي المقصود في ‫"ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَي" هو القرأن فقط ‫، بالإضافة إلي ما أوحاه الله إلي الرسول ‫(‫‫كرسول وليس كنبي)‫ في شرح بعض ما جاء ذكره في القرأن من أمور العبادات ‫، كتفاصيل الصلاة والحج‫.‫ خاصةً وأن السنة العملية في الشعائر هي مما تواتر عن الناس وثبت قطعياً عن الرسول ‫، مثله كمثل القرأن نفسه‫.‫ ولذا نستطيع أن نقول أن هذه التعاليم تحديداً هي الملحق العملي للقرأن ‫، فالأفضل والأسهل للناس أن يتعلموها بالإقتداء المباشر من الرسول‫.‫ وهي تشمل العبادات والشعائر فقط‫ ولا تمتد للأحكام‫.‫ لذا فإن كل ما روي عن الرسول من أحاديث لا يقع بالضرورة ‫، أقول ليس بالضرورة ‫، تحت مسمي ‫"‫الوحي‫"‫‫.‫..‫.‫

نضيف علي هذا نص القرأن نفسه الذي يوضح معني ‫"‫الوحي‫"‫ بأنه القرأن في أكثر من موضع كقوله تعالي‫:
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)فاطر
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الأنعام
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) الكهف
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)الرعد

ماذا عن الأيات ‫"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ‫، ‫‫قُل أطِيعُوا الله والرَّسُولَ فإن تَوَلَّوا فإنَّ الله لا يُحِبُّ الكَافِرِينَ" ‫، "‫‫وما أرسَلنا من رسولٍ إلاَّ ليُطاعَ بإِذنِ الله ولو أنَّهُم إذ ظلموا أنفُسَهُم جاءُوكَ فاستغفَروا الله واستغفرَ لهم الرَّسولُ لَوَجدوا الله توَّاباً رحيماً ‫، فلا ورَبِّكَ لا يؤمِنونَ حتَّى يُحكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثمَّ لا يَجدوا في أنفُسهِم حرَجاً ممَّا قضَيتَ ويُسلِّموا تَسليماً" ‫، ‫"ومن يُطع الله والرَّسولَ فأولَئِكَ معَ الَّذين أنعَمَ الله عليهِم من النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالِحينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رفيقاً"‫‫‫ ‫، ‫"‫‫من يُطعِ الرَّسولَ فقد أطاعَ الله ومن تَولَّى فما أرسلناكَ علَيهِم حفيظاً" ‫‫، "‫وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَابِرِين‫"‫‫‫ ‫، ‫"‫‫وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسُولُهُ أمراً أن يكونَ لهمُ الخِيَرَةُ من أمرهِم ومن يَعصِ الله ورسولَهُ فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً"‫؟ كيف نفهمها في ضوء ما أفردناه أعلاه‫؟
أولاً فإن كل هذه الأيات ‫، وغيرها ‫، تتكلم عن محمد ‫، أو إليه ‫، بصيغة ‫"‫‫الرسول"‫ ‫وليس النبي ‫، أي أن السياق كله في حدود الرسالة الإلهية المتمثلة في الوحي‫.‫ ثانياً ‫، من الواضح من سياقها أنها تتحدث عن الرسول في حياته ‫، مثلاً ما معني ‫"يُحكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثمَّ لا يَجدوا في أنفُسهِم حرَجاً ممَّا قضَيتَ"‫‫ بعد وفاة النبي‫؟ كيف يحكم الرسول بيننا ويقضي بحكم بعد وفاته‫؟ أن محاولة ربط هذه الأيات بالأحاديث القولية المروية عن الرسول والتي جمعها كتبة الحديث بعد مرور 150 عاماً علي الأقل من وفاته ‫(‫ما لم يفعله الصحابة أنفسهم وهم أعلم بما أمر به الرسول‫)‫ لهي محاولة ينقصها الكثير من المنطق‫.‫
كما أن القرأن نفسه يوضح لنا ما أُمِرَ به محمد عليه الصلاة والسلام في أكثر من موضع ‫، أهمها قوله تعالي ‫‫"إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‫، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ"‫‫.‫ أي ان الله سبحانه وتعالي أمر رسوله بعبادته ‫، ‫‫ويدخل في إطار هذا العبادات والشعائر التي شرحها الرسول عملياً‫ ، وأن يكون مُسْلِماً له ‫، وأن يتلو علينا القرأن‫.‫ ولم يأمره بأكثر من ذلك ‫، كما لوكان ماعدا ذلك ما هو من الرسول نفسه ‫وليس وحياً ‫، هذا إن ثبت أنه قاله من الأصل‫.‫ وقد أشار الكثير من الكُتَّاب ‫تفصيلاً ، مثل هيكل باشا في المصدر أعلاه والأستاذ العقاد في العبقريات ‫، إلي شخصية الرسول البشرية المستقلة عن الوحي‫.‫

هنا يأتي بنا الحديث إلي التساؤل عن قطعية ثبوت ما رُويَ عن الرسول من أحاديث‫.‫ من المعروف أن الأحاديث القولية المكتوبة في كتب الأحاديث تنقسم إلي قسمان عامان‫: الأول هو ما ثبت عن الرسول قطعياً بتواتر رواته‫.‫ والتواتر هو تعدد الرواه بشكل يستحيل معه إجتماعهم جميعاً علي الكذب أو الخطأ‫ ‫، ونُذَكِر القاريء أن القرأن نفسه ‫، كما ذكرنا ‫، ثابت عندنا قطعياً بالتواتر ‫، كما ثبتت تفاصيل الشعائر والعبادات‫.‫‫ والأحاديث المتواترة قليلة للغاية ‫، فهي في أكثر التقديرات لا تتعدي عدد أصابع اليدين‫.‫ أما القسم الثاني فهو ما سمي بأحاديث الأحاد لقلة رواتها ‫، بغض النظر عن السند وأصول الجرح والتعديل التي وضعها الفقهاء ‫، وهذه تشكل الغالبية العظمي من الأحاديث المنقولة إلينا‫‫.‫ وقد إجتمع الفقهاء العقلانيين علي أن الأحاديث الأحاد لا تفيد اليقين ‫، بل تفيد الظن ‫، ولذا إتجه الكثيرون منهم ‫، ونحن نتفق معهم ‫، إلي أنها غير ملزمة للمسلم كالقرأن والمتواتر من السنة ‫، ومنكرها يظل مسلم غير خارج عن الملة‫ حتي وإن رفضها بالكامل ‫(‫‫أنظر مثلاً مقال الإمام الأكبر محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شرح هذا الموضوع ‫، منقولاً من كتابه ‫"‫‫الإسلام عقيدة وشريعة" http://www.balagh.com/mosoa/hadith/rs0vkrpv.htm)‫‫.‫ وقد يشير بعض الناس أنه حتي وإن كان هذا صحيحاً ‫، وما نظنه إلا كذلك ‫، فإن ثبوت العقيدة غير ثبوت الأحكام ‫، ولذا فمن الممكن أخذ احكاماً وفروضاً بل وحدوداً عن الأحاديث الأحاد ‫، ولكننا نري أن ذلك مما لا يليق ‫، فلا شك عندنا أن العقيدة أهم من الأحكام والفروض ‫، بل هي أساس الأحكام والفروض‫.‫ فكيف أخذ حُكْماً بلا عقيدة ‫، وعلي أي أساس أفعل ذلك‫؟ أُنْكِر الأهم وأُلْزِم نفسي بالأقل أهمية‫؟ نري أن ذلك لا يستقيم ‫، لذا فنحن نقول أن أحاديث الأحاد لا تُثْبِت أحكاماً ولا فروضاً غير ما ورد ذكره في القرأن‫.‫ فليلاحظ القاريء أن هذا يشمل الكثير مما يعتبره العامة ثوابتاً في الدين ومعلوماً بالضرورة ‫، فأحاديث الأحاد تشمل حد الرجم ‫‫(‫‫المتناقض مع القرأن)‫ ، وحد الردة (‫‫المتناقض مع القرأن) ‫، وإطلاق اللحية ‫، والحجاب ‫، والنقاب ‫(‫‫أنظر مقالنا عن الحجاب http://muslims-however.blogspot.com/2010/06/blog-post_02.html)‫ ‫، وتفاصيل الإسراء والمعراج الخارجة عن ما ذكر في القرأن ‫(‫‫وهي من العقيدة)‫ ‫، وتقصير الجلباب ‫، وعدم المصافحة بين الرجل والمرأة ‫، وإلغاء الوصية في الميراث ‫(‫‫مخالفةً لنص القرأن)‫ ‫، وشفاعة الرسول ‫(‫‫عقيدة)‫ ‫، ومعرفة الرسول للغيب ‫(عقيدة ‫‫مخالفةً لنص القرأن)‫ وعذاب القبر ‫(‫‫عقيدة)‫ وغيرها مما ثبت في عقول الناس أنه من صلب الدين وواقع الرسالة‫.‫ ماذا نفعل بهذه الأحاديث إذاً‫؟ لا مناص هنا من القول إن ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام إن تضارب مع القرأن أو مع العلم الوضعي والمنطق والحجة والعقل فلا مكان له في عقيدتنا ولا في ديننا ‫، وإن أخذنا به فيكون بحد أقصي إستشهاداً وليس إلزاماً‫.‫ فلا بأس أن نأخذ عن الرسول مثلاً دعوته لإستخدام السواك في تنظيف الأسنان ‫، فالمعني العام هنا هو دعوة للنظافة والإعتناء بالنفس ‫، فالنبي محمد عليه الصلاة والسلام كان معلماً لقومه متمماً لمكارم الأخلاق ‫، فنأخذ منه هذه الدعوة ولكننا لا نجد بأساً مثلاً من إستبدال السواك بفرشاة الأسنان وخيط التنظيف وغيرها من تكنولوجيات العصر الحديث‫.‫ فالنظر هنا ما هو إلا للجوهر وليس للمظهر‫‫.‫ وقد كتب الكثيرون في عموم هذا الموضوع ‫، فالمفكر الكبير جمال البنا علي سبيل المثال يري ضبط السنة بضوابط القرأن ‫، والأستاذ الإمام كان يرد كل ما تعارض مع القرأن من أحاديث أو أضاف عليه وكل ما تناقض مع العقل والعلم ‫، وكتب الكثيرون حول موضوع متن الأحاديث والتدقيق في معناها ومدي ملاءمته لروح القرأن ورسالته الراقية ‫(‫‫أنظر مثلاً المصادر التالية‫:
كتاب ‫"‫‫البخاري بين الرفض والقبول" - ‫تحميل‫ مباشر:
نقد الحديث من جهة المتن:
تصحيح صحيح البخاري‫:
الثورة علي اصول المنهج السني‫:
أهل القرأن:
وغيرها من المصادر التي لا يتسع المجال لسردها بالكامل)‫‫.‫

الخلاصة
هكذا قد يتضح للقاريء حكمة الخالق سبحانه وتعالي في إرسال رسالته إلينا من جزأين ‫، الجزء الأول لكل زمان ومكان وهو القرأن ‫، مضافاً إليه ملحقه العملي في العبادات والشعائر ‫، والجزء الثاني وهو الأحاديث الأحاد ‫(‫‫حتي وإن إفترضنا ثبوتها)‫ لم يقدر له إلا أن يكون متعلقاً بعصره وبالقوم التي وجه إليهم ‫، فلا يخرج عن ذلك ولا يصح أن نلزم أنفسنا به‫.‫ وإلا وجدنا أننا في الواقع نلزم أنفسنا أن نعيش حياة القرن السابع الميلادي بكل تفاصيلها ‫، فالسواك ‫، والخلاء ‫، وركوب الإبل ‫، والجلباب ‫، وما إلي ذلك يصبح من صميم الدين وملزماً لكل مسلم ‫(‫‫كما يقول البعض)‫ ‫، فنجد أنفسنا وقد تجمدنا والحضارات تتغير من حولنا وتتطور‫ إلي الأمام ‫، وماهذه إلا سنة الحياة وحكمة الخالق في خلقه ‫، سنةً ديناميكية متغيرة متطورة بحق ‫، فلا يجوز معها إلا رسالة إلهية ديناميكية متغيرة ومتطورة أيضاً ‫، لا تجمد في عصر بعينه ولا تتجمد في فهمٍ واحد‫.‫ فقد ذهب عصر الرسول ‫، وذهبت كل العصور ‫التي تلته ، وها نحن نعيش عصرنا ‫، ننظر إلي الأمام ونسأل‫: كيف نفهم رسالة الله إلينا في ضوء معطيات العصر والفكر الحديث‫؟ الإجابة هي أن نفعل كما فعل قدامي الفقهاء والمفسرين‫ الذين ‫فهموا الرسالة من واقع عالمهم ودنيتهم وفكرهم ‫، فنحن في الواقع هنا لا ندعو إلا إلي تطبيق حقيقي لما فعله السلف ‫، جوهراً وليس مظهراً‫.‫ فإن لم نفعل ‫، فكأنما نحن نتهم القرأن بالجمود ‫، وهو كتاب الله المعجز لكل زمانٍ ومكان ‫الذي يأمرنا بالتدبر والتفكر في بديع صنعه ومعجِز خلقه‫.‫ فكأنما إصرارنا علي تكرار حياة السلف وفكرهم وأفكارهم بكل تفاصيلها ما هو إلا إهانة للذات الإلهية وإبتلاءاً علي الله جل وعلا ‫، الذي يأمرنا حين يأمرنا بالمضي قدماً في فكرنا وعلمنا ‫، ولا يأمرنا بالجمود أو الرجوع القهقري ‫، فهذه سنته هو التي لا تفتأ تتغير وتتقدم ‫، فلا مناص أن رسالته إلينا هي كذلك إيضاً‫.‫

‫"‫‫ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"‫

والله من وراء القصد

سانب