الخميس، 1 يوليو، 2010

الحاج متولي وزوجاته الأربعة - حول تعدد الزوجات في الإسلام

الحاج متولي وزوجاته الأربعة – حول تعدد الزوجات في الإسلام

بقلم سانب

في أثناء حوار دار بيني وبين أحد الأصدقاء منذ أيام حول تعدد الزوجات في الإسلام تذكرت بشيء من الأسي المسلسل التليڤزيوني الشهير ‫"‫الحاج متولي‫"‫ الذي صَوَّرَ للمشاهد ‫، ولأول مرة في تاريخ الفن المصري ‫، تعدد الزوجات بشكل إيجابي‫.‫ قام المسلسل علي فكرة بسيطة جداً‫: إذا كان تعدد الزوجات قائم علي مبدأ العدل بينهن فهاهو الحاج متولي يتزوج بأربع نسوة ويعدل!‏ وتبدو الحياة بسيطة وسهلة ‫، بل وجميلة‫ ومطلوبة‫.‫ وفي أثناء ذلك كله لم يرو المسلسل ‫، أو أي ممن عَلَّقُوا عليه من النقاد ‫، أن تعدد الزوجات له شرط أخر ‫، بل شرط مقدم علي شرط العدل بين الزوجات‫!‏
من جهة أخري ‫، ظهرت قريباً بعض الحوارات حول تعدد الزوجات في الجرائد المصرية ‫أثارت حفيظة بعض المعلقين الذين إتهموا المحاورين بالخروج عن صحيح الدين‫ ‫، ذاكرين أن التعدد ثابت في الإسلام بالأية الكريمة‫:
‫(‫‫انكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)‫

وهي أية مشهورة جداً يحفظها الكثيرون‫ ‫كما ذكرناها (‫خاصةً الرجال ‫، ولا عجب‫‫)‫.‫ ولاتجد من يتحدث عن التعدد في الإسلام إلا مستدلاً بهذه الأية‫.‫ والعجب العجاب أن هذه الأية الكريمة ‫، مرويةً هكذا ‫، هي في الواقع مقطوعة من سياقها!‏ بل أكثر من ذلك هي ليست أية كاملة بل جزء من أية‫!‏ يقول سبحانه في سورة النساء

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا * وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ * وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا * وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)‫

قرأت هذه الأيات كاملة لأول مرة ‫قراءة المدقق‫ منذ بضعة سنوات وإنتابتني الدهشة الشديدة!‏ ما علاقة الزواج بأكثر من واحدة باليتامي وأموالهم‫؟ بطبيعة الحال ذهبت إلي التفاسير المعتمدة لأجد إبن كثير مثلاً يقول

يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم ‫‫[‫.‫‫.‫‫.‫‫]  وقوله: ‫(‫وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ)‫ ، أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ‫(‫وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ)‫ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ثم قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ‫(‫وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ)‫ ، قالت: يابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

وهو رأي الجماعة‫.‫ ويروي الإمام الرازي أوجه أخري أقل شهرة في فهم هذه الأية فيقول

الوجه الثاني: في تأويل الآية: انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب ‫(‫الإثم‫)‫ الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الاقساط في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء، فقالوا عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج.
الوجه الثالث: في التأويل: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات.
الوجه الرابع: في التأويل: ما روي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى: ‫(‫وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ)‫ عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع، والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما، فكأنه تعالى قال: فان خفتم من الأربع فثلاث، فان خفتم فاثنتان، فان خفتم فواحدة، وهذا القول أقرب، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة الى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير.

‫‫[ملحوظة هامة‫: الفقرة السابقة منقولة حرفياً من كتاب الإمام الرازي والأية ‫(‫وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ) مذكورة هكذا في كتابه ‫، هذا بالطبع ليس قرأناً ولكنه قراءة تفسيرية كما إعتاد بعض الأقدمون‫]

ويقول السيوطي في كتابه ‫"‫إعراب القرأن‫"‫‫ بالوجه الرابع أيضاً ثم يضيف عليه‫:
الوجه الخامس‫: وإلى هذا الوجه أشار أبو علي بعدما حكى عن أبي العباس في كتابه في القرآن تعجب الكسائي من كون ‫"‫فانكحوا ما طاب لكم‫"‫ جواباً لقوله‏: ‫"‫وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي‫"‫‏‏.‏ قال‏:‏ وقاله أبو عبيد وليس هذا الجواب فإنما الجواب في قوله‏:‏ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم كأنه قال‏:‏ فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة‏.‏ فقال أبو علي‏:‏ جواب إن خفتم الفاء في فواحدة كأنه في التقدير‏:‏ إن خفتم ألا تقسطوا إن كثرت عليكم مؤن الزوجات وأحوجتهم إلى مال اليتامى‏.‏ أي‏:‏ فانكحوا واحدة‏.‏ وقوله‏: فإنكحوا ما طاب‏ اعتراض بين الشرط والجزاء مثل قولك‏:‏ إن زيداً - فافهم ما أقول - رجل صدق‏.‏ قال‏:‏ ولما كان الكلام باعتراض الجملة المسددة للشرط كرر الشرط ثانياً فقيل‏:‏ فإن خفتم ألا تعدلوا وهو قوله‏:‏  وإن خفتم ألا تقسطوا‏.‏

طبقاً لهذا فإن علاقة اليتامي بالزواج هي أحد ما يلي‫:

الوجه الأول‫: إذا كان عندك يتيمة تربيها فأردت زواجها بدون أن تعطها مهراً فقف عندك ولا تفعل‫ وتزوج من عداها من يحلو لك من النساء حتي أربع‫ ‫(‫وقيل تسعة وقيل أيضاً ثماني عشر‫)‫.‫
الوجه الثاني‫: إذا خفتم عدم العدل في اليتامي فبنفس المنطق خافوا عدم العدل بين الزوجات‫.‫
الوجه الثالث‫: إن خفتم عدم العدل في اليتامي فبنفس المنطق خافوا الزنا‫.‫
الوجه الرابع‫: في حالة تعدد الزوجات لا يكون الإنفاق عليهن بمال اليتامي اللائي تحت مسئوليتكم‫.‫
الوجه الخامس‫: أن معني الأية هو ‫"‫‫ فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة‏"‫ وتكون ‫"‫فإنكحوا ما طاب‫‫"‫ جملة إعتراضية بين الشرط وجوابه‫.‫‫

والحقيقة أن هذه الأوجه لتثير عندنا بعض التساؤلات‫.‫

الوجه الأول مثلاً ‫، وهو رأي الجماعة ‫، يفسر الأية علي أنها جملة شرطية‫:

إن خفتم ‫(‫شرط‫)‫ ‫.‫‫.‫‫.‫ ‫فإنكحوا‫ ‫(‫جواب الشرط‫)‫

وهو ما سنتفق فيه معهم ‫، ولكن سنختلف في معني ذلك‫.‫ فالمعني المقصود هنا ‫، في نظرهم ‫، هو أنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأكثر من واحدة إلا في حالة ما أن تكون له يتيمة يربيها وأراد زواجها بلا قسط ‫(‫عدل‫)‫ في مهرها ‫، فهنا عليه أن يتركها ويتزوج بأخريات‫.‫ نلاحظ أن الجملة علي هذا الوجه شرطية ‫، أي أنها تنهي عن التعدد إذا لم يتحقق الشرط‫!‏ ونحن نتفق في عامة هذا ولكننا سنختلف في معناه ‫، كما سيرد‫.‫ ويثير عجبنا أيضاً علي أنه علي الرغم من وضوح هذا المعني عند من يقولون به فإنهم يتناسون وجود هذا الشرط ويبيحون تعدد الزوجات مطلقاً بلا قيود ‫، عدا شرط العدل الذي هو شرطاً نسبياً من الصعب تقنينه‫.‫ أي أننا لم نسمع أحداً يقول‫: يا أيها المسلمون حرام عليكم الزواج بأكثر من واحدة إلا إذا كان لديكم ربيبة يتيمة تربونها وكنتم في ما سبق راغبين في الزواج منها بقصد عدم العدل في مالها‫.‫ ومن يعدد بلا وجود ربيبة فهو زان‫‫.‫ أليس هذا هو معني الشرط بالأية‫؟ لم لا يقولون بهذا إذاً‫؟ هناك أيضاً من التساؤلات الكثير في هذا الفهم‫.‫ مثلاً ‫، إذا كان اليتامي المقصودون هنا من الإناث فلماذا لم يقل ‫"‫إن خفتم الا تقسطوا في اليتيمات‫"‫‫‫؟ وإذا كن هؤلاء اليتيمات هن المقصودات بالزواج فلم رجع وقال ‫(‫‫وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ) ‫، ألم يكن هؤلاء اليتامي بالغات للنكاح من الأصل ولذلك فقد حرم نكاحهن بلا قسط في مهورهن‫؟

فلنستمر

الوجهان الثاني والثالث نري فيهم الشيء العجاب‫.‫ فهي تفسيرات غير قائمة علي المعني اللغوي للأيات‫.‫‫ لأن الله سبحانه لم يقل ‫(‫إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي فخافوا ألا تعدلوا بين الزوجات أو فخافوا الزنا‫)‫ بل قال ‫(‫إن خفتم ألا تقسطوا ‫.‫‫.‫‫.‫ فإنكحوا‫)‫ أي أن النكاح ‫(‫الزواج‫)‫ هو جواب الشرط هنا‫.‫ ولا يصح أن نقول ‫(‫كما قال بعض الجاهلون بأصول اللغة‫)‫ أن جواب شرط ‫"‫إن‫"‫ محذوف‫.‫ فإن ذلك لا يليق‫.‫ جواب الشرط يكون محذوفاً عند وضوح المعني‫.‫ فمثلاً يصح أن نقول ‫"‫إن خفتم ألا تعدلوا فواحدة‫"‫ فجواب الشرط هنا هو ‫"‫إنكحوا‫"‫ أي أن المعني هو ‫"‫إن خفتم ألا تعدلوا فإنكحوا واحدة‫"‫ ‫، وحذف جواب الشرط لوضوح المعني‫.‫ أما أن نقول أن جواب الشرط محذوفاً ولا نعرف ما هو فنسمح لأنفسنا بوضع أي كلام مكانه فهذا ما لايليق بمحاولة فهم كلام الله‫.‫ فلا يصح مثلاً أن نقول ‫أن أية ‫"‫إن خفتم ألا تعدلوا فواحدة‫"‫ جواب شرطها المحذوف هو ‫"‫إقتلوا‫"‫ ‫(‫مثلاً‫)‫ فهو إقحام علي المعني ما ليس فيه‫.‫ وهكذا فإن الإدعاء أن جواب الشرط في أية التعدد هو ‫"‫خافوا‫"‫ مثلاً أو شيئاً من هذا القبيل هو إقحام علي كلام الله ما ليس به‫.‫

أما الوجه الرابع فغريب أيضاً لأن معناه أن التعدد هنا حدث أولاً ثم تلاه واقعة الخوف من القسط في اليتامي ولكن الله سبحانه أوضح في الأيات أن الخوف من القسط في اليتامي هو أمر سابق لنكاح التعدد وليس لاحق‫‫.‫

أما الوجه الخامس الذي ذكره السيوطي فلا تعليق عليه فهو ‫، في ما نري ‫، لّي لعنق المعني لا جدال فيه‫.‫ وأغلب المفسرون إختلفوا مع السيوطي في ذلك علي كل حال‫.‫

والتفاسير الحديثة عاد‫ةً ما تأخذ بالوجه الأول في تفسير الأية ‫، فيقول الشعراوي مثلاً

‫(‫‫أى فإن خفتم أيها المؤمنون ألا ترفعوا الجور عن اليتامى فابتعدوا عنهم وليسد كل مؤمن هذه الذريعة أمام نفسه حتى لا تحدثه نفسه بأن يجور على اليتيمة فيظلمها. وإن أراد الرجل أن يتزوج فأمامه من غير اليتامى الكثير من النساء. ومادامت النساء كثيرات فالتعدد يصبح واردا، فهو لم يقل: اترك واحدة وخذ واحدة، لكنه أوضح: اترك اليتيمة وأمامك النساء الكثيرات. إذن فقد ناسب الحال أن تجىء مسألة التعدد هنا، لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يرد الرجل الولى عن نكاح اليتيمات مخافة أن يظلمهن، فأمره بأن يترك الزواج من اليتيمة الضعيفة ؛ لأن النساء غيرها كثيرات)

وقال ما شابه ذلك الألوسي في روح المعاني وسيد قطب في الظلال وكذلك طنطاوي في الوسيط‫.‫ ولم يذكر أحداً منهم أن وجود الشرط في الأية يَجُب ما عداه ‫، أي أنه يَحْرُم أن يعدد الرجل ما لم يتحقق لديه شرط الخوف من القسط في اليتامي!‏ ونحن نجد ذلك غريباً لوضوح الشرط في الأية‫.‫‫

ولكننا إذاً نتفق مع غالبية المفسرين أن أية التعدد أية شرطية واضحة‫:

إن خفتم ‫(‫شرط‫)‫ ‫.‫‫.‫‫.‫ ‫فإنكحوا‫ ‫(‫جواب الشرط‫)‫

وقال بهذا الغير قليل من علماء اللغة أيضاً ‫، أنظر مثلاً النحاس في كتابه ‫"‫إعراب القرأن‫‫"‫

‫(‫وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ..‫)‫ [3‫]
 شرط أي إِن خفتم ألاّ تِعدِلُوا في مُهُورِهِنّ في النفقة عليهن ‫(‫فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ‫)‫ فدلّ بهذا على أنه لا يقال: نساء إِلا لمن بلغ الحلم. واحدُ النساء نسوة ولا واحد لنسوة من لَفظه ولكن يقال: إمرأة. ويقال: كيف جَاءت "ما" للآدميين ففي هذا جوابان: قال: الفراء: "ما" ههنا مصدر وهذا بعيد جدّاً/ 45 أ/ لا يصحّ فانكِحوا الطيبة وقال البصريون: "ما" تقع للنعوت كما تقع "ما" لما لا يعقل يقال: "ما عِندكَ؟" فيقال" ظريف وكريم فالمعنى فانكِحُوا الطيب من النساء أي الحلال وما حَرّمهُ الله فليس بطيب. ‫(‫مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ‫)‫ في موضع نصب على البدل من "ما" ولا ينصرف عند أكثر البصريين في معرفة ولا نكرة لأن فيه عِلّتين إِحداهما أنه معدول.

ونتساءل نحن‫: الشرط عادةً ينفي ماعداه ‫، فإذا قلنا مثلاً ‫"‫‫إن خاف عادل من المرض فلا يأكل من الباعة الجائلين"‫‫.‫ الشرط هو ‫"‫الخوف من المرض‫"‫ وجوابه هو ‫"‫عدم الأكل‫"‫ ولذا يكون المعني أن عدم الأكل لا يقع إلا في حالة الخوف‫.‫ أي أن إذا كان التعدد مشروطاً فلا يصح ‫، بل لا يحل ‫، التعدد إن لم يتحقق شرط ‫"‫الخوف من القسط في اليتامي‫"‫‫.‫ ومن هنا نقول أن من يتزوج بأكثر من واحدة من غير أن يحقق الشرط هو زاني‫!‏!‏

ولكن هذا مما يثير مشكلة جديدة‫.‫ من الواضح أن قصة الربيبة في حجر وليها هذه حالة خاصة جداً ‫، وإن سلمنا أنها كانت حالة منتشرة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فهي ليست كذلك الأن‫.‫ فنحن لا نري ‫"‫اليتامي في حجر أوليائهم‫"‫ مما يتكرر كثيراً في مجتمعاتنا الحديثة‫.‫ وفي هذا قولان‫‫:

القول الأول‫:

أن ينتفي الحكم مع إنتفاء العلة ‫، كما القاعدة الفقهية المشهورة ‫، أي أنه في حالة عدم وجود ‫"‫ربيبات في حجر أوليائهم‫"‫ فإن ذلك مما ينفي رخصة التعدد ويصبح التعدد حراماً وزنا ‫، وتنتهي المشكلة عند هذا الحد‫.‫‏

القول الثاني‫:

أن نجد للأية معني أخر ملائماً للعصر ‫، أي أن نُسَّلِمْ ‫، كما يري كاتب هذه السطور ‫، أن النص ثابت والفهم متغير ‫، بمعني أن أيات القرأن لها من المعاني الكثير ‫(‫القرأن حمال أوجه كما قال الإمام علي كرم الله وجهه‫)‫ يفهمها الناس بحسب مجتمعاتهم وعصورهم‫.‫ وأن كلها معانٍ صحيحة ‫، لأن الصواب والخطأ نسبيان ومتغيران‫.‫ فنجد مثلاً الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يغير متعمداً في أحكام الزكاة بلا نص قرأني أو من أقوال الرسول لأنه فهم كما فهمنا‫. ومن هنا تسقط حجة القائلون بأن فهم الصحابة للقرأن هو الفهم الوحيد الصحيح الواجب إتباعه حتي يرث الله الأرض ومن عليها‫.‫ ولاشك عندنا أن هذا هو مقصد الله سبحانه وتعالي وأصل القول أن القرأن لكل زمان ومكان‫.‫

ماهو إذاً هذا المعني الأخر‫؟ هو ما قاله عدد من المفكرين ‫، مثال ذلك مؤخراً الدكتور أحمد السايح أستاذ الدراسات الإسلامية والعالم الأزهري الكبير‫.‫ فالأيات

‫(‫‫يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا * وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ * وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا * وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًاْ)

‫تدور حول اليتامي كموضوع أساسي وتضع فيه قواعد إجتماعية عميقة الأثر وبالغة المعني‫.‫ فالله سبحانه وتعالي يبدأ كلامه العزيز بأمر الناس بإتقاءه ثم يسترسل بوضع حجر الأساس في الموضوع كله ‫، ألا وهو إيتاء اليتامي ‫(‫ذكوراً وإناثاً‫ ‫، وإلا كان قال ‫"‫يتيمات‫"‫)‫ حقوقهم وأموالهم‫.‫ ثم يقول أنه إذا كان هناك خوف من العدل في اليتامي فحل ذلك هو الزواج بأكثر من واحدة‫.‫ فما علاقة هذه بتلك‫؟ اليتيم لغةً هو من فقد والده وليس أمه ‫، ويسمي يتيماً في طفولته حتي يبلغ النكاح‫.‫ فنري أن المقصود هنا هو وضعاً إجتماعياً راجحاً في كل مكان وزمان ‫، ألا وهو وجود نسوة فقدن أزواجهن تاركين لهن يتامي ‫، ويأمرنا الله بالعدل والقسط في هؤلاء اليتامي ‫، فإن خفنا عدم العدل فحل ذلك هو الزواج من أمهاتهم لرعاية هؤلاء اليتامي مع إضافة شرط أخر وهو العدل بين هؤلاء الزوجات‫.‫ فإن خاف الرجل عدم العدل بينهن فعدم التعدد أولي‫.‫ ويضيف ‫"‫أو ما ملكت أيمانكم‫"‫ أي الإماء اللائي يحل وطئهن سواء كان ذلك بوجود شرط اليتامي أو لا ‫، ودلالة ذلك قوله ‫"‫أو ما ملكت‫"‫ وليس ‫"‫وماملكت‫"‫‫.‫ ثم يستسرسل ‫"‫ذلك أدني ألا تعولوا‫"‫ ‫و العول هو الجور والظلم‫.‫

شرط التعدد الأساسي إذاً ‫، في رأينا ‫، هو إعالة أيتام الزوجة الثانية والثالثة والرابعة‫.‫ فالتعدد بفتاة بكر لا أطفال لها في ظل هذه الأيات محرم‫.‫ بل نستمر فنقول أن التعدد من نساء لديهن أطفال أيتام ولكن هؤلاء الأطفال ليسوا بحاجة إلي رعاية محرم أيضاً‫.‫ فالشرط ليس وجود اليتامي ‫، بل هو الخوف من القسط في اليتامي ‫، فإذا إنتفي الشرط سقط جوابه ‫ورُفِعَ الحكم بإنتفاء العلة‫.‫ في عصرنا هذا مثلاً نجد الكثير من البلاد بها جهات رسمية ترعي الأيتام وتراقب حقوقهم المادية والمعنوية ‫، ولا حاجة لهذه الأمم لمثل رخصة التعدد هذه ‫، فمن هذا الوجه أيضاً يصبح التعدد حراماً‫.‫ أما قوله ‫"‫ما طاب لكم‫"‫ فهو ما يعطي للرجل الحق في إنتقاء الزوجة الثانية‫‫\الثالثة‫\الرابعة من أمهات الأيتام بحسب ما يري ‫، فهي ستكون زوجةً له بكل ما في الكلمة من معاني المودة والرحمة‫‫.‫

في جميع الأحوال ‫، سواء أخذنا بالقول الأول الموجود في التفاسير أو القول الثاني فالتعدد مشروط ولا يحل علي إطلاقه‫.‫ أي أن زواج الحاج متولي من فتاة بكر يعد زواجاً باطلاً تحت أياً من القولين!‏ ونحن إذ نرجح القول الثاني نظراً لوضوح سياق الأيات وعموم العلة علي القول الأول الخاص بعلة خاصة جداً ولا تتكرر كثيراً ‫، فإننا لا مانع عندنا من قبول القول الأول‫.‫ في الحالتين التعدد يصبح حالة خاصة ولا يصح إطلاقه‫ بلا رابط بحجة مقدرة الرجل علي العدل‫ ‫، الذي هو الشرط الثاني ‫، مهملين الشرط الأول والأساسي ‫، بل ما هو أساس هذه الفقرة من سورة النساء بأكملها.‫

نختتم هذا المقال بذكر رأي الشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده في تفسيره حيث قال‫ ‫[مابين قوسين من عندي‫]:
‫"‫وقد يصح أن يقال أنه يجوز أن يراد بالأية ‫[إن خفتم ‫.‫‫.‫‫.‫‫] مجموع تلك المعاني ‫[يقصد الأوجه المختلفة التي أوردناها ‫، عدا رأينا‫] من قبيل رأي الشافعية الذين يجوزون إستعمال اللفظ المشترك في كل ما يحتمله الكلام من معانيه وإستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً‫.‫ والذي يقرره كاتب هذا الكلام ‫[رشيد رضا‫] في دروس التفسير دائماً هو أن كل ما يتناوله اللفظ من المعاني المتفقة يجوز أن يكون مراداً منه لا فرق في ذلك بين المفردات والجمل ‫، وعلي هذا تكون الأية مرشدة إلي إبطال كل تلك الضلالات والمظالم التي كانت عليها الجاهلية في أمر اليتامي وأمر النساء‫"‫

ويسترسل الأستاذ رشيد رضا ذاكراً رأي أستاذه الإمام الذي كان ميالاً إلي رأي الجماعة في هذا الموضوع‫:

‫"‫وقد قال تعالي في أية أخري من هذه السورة (‫ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم‫)‫ ‫[‫.‫‫.‫‫.‫‫] فمن تأمل الأيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها ‫[فقط‫] بشرط الثقة التامة بإقامة العدل والأمن من الجور‫ ‫، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب علي التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات‫"‫

ويستمر الأستاذ رشيد في كتابه الرائع في شرح مذهب الأستاذ الإمام حول هذا الموضوع ‫، قائماً علي ما عهدناه منهما من عقلانية في فهم النص الإلهي‫.‫

أياً كان فمن الواضح أن تعدد الزوجات رخصة ضيقة التطبيق سواء كانت علتها ما ذهب إليه المفسرون أو ما ذهبنا إليه من إجتهاد‫.‫ وهذه الرخصة لا يؤثم تاركها ‫، فهي ليست فرضاً بأي حال من الأحوال ‫، فإذا رأي ولي الأمر ‫، أي القانون الوضعي ‫، أن يقيد أو يمنع التعدد تماماً فلا جناح عليه في ذلك إن تحقق أن الدولة بقوانينها الوضعية تستطيع أن تطبق شرط اليتامي ‫، أياً كان معناه ‫، وتحفظ لكل يتيمٍ أو يتيمةٍ حقهما‫.‫

والله أعلم

*******************************
ملحق‫:
إطلعت بعد إنتهائي من كتابة الموضوع علي رأي المفكر السوري عدنان الرفاعي في موضوع تعدد الزوجات ‫‫(‫‫http://www.thekr.net/thekr/books/t3ddalzawgat.doc)‫ وملخصه إعادة تفسير كلمة ‫"‫يتامي‫"‫ في الأية ‫"‫‫ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى ‫.‫‫.‫‫.‫"‫ بمعني اليُتم الأصلي وهو التفرد ‫، ويفسرها الرفاعي بأنها الزوجات المتفردات اللائي لا يجدن نكاحاً ‫(‫العوانس‫)‫ ‫، وهنا يُصرح لرجال المسلمين بالتعدد لتغطية أعداد العوانس الزائدة‫.‫ وعلي الرغم من تحليل الرفاعي المنطقي فإني أجد في هذا الرأي بعض الثغرات ‫، من أهمها إستخدام نفس الكلمة في الأيات السابقة واللاحقة وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ‫.‫‫.‫‫.‫"‫ ‫ وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ .‫‫.‫‫.‫"‫ بمعناها المعتاد بصورة واضحة ‫، ومن هنا لا يكون من المنطقي ‫، علي الأقل ترجيحاً ‫، أن تُذكر كلمة اليتامي ثلاث مرات متتابعة في سياقٍ واحد بمعنيين مختلفين‫.‫