الخميس، 31 مارس 2022

القول الفلاح في تقييد المباح

 القول الفلاح في تقييد المباح‫‫:

 بقلم سانب 

في الأحد عشر عاماً أو تزيد منذ أن كتبت أخر مقال لي علي مدونة ‫"‫مسلمون ولكن‫"‫ ‫، تغيرت الكثير من الأمور‫.‫ فعلي سبيل المثال لا الحصر أدي إنتشار منصات التواصل الإجتماعي ‫وظهور برامج  الحوار الصوتي إلي مضاعفة سرعة إنتقال المعلومات والأراء بضع مرات‫ علي الأقل. وساعد في ذلك بشكل كبير ظهور وإنتشار الهواتف الذكية ‫، بحيث أصبح بإمكان معظم الناس التواصل في أي وقت وفي أي مكان ‫، دون الحاجة إلي جهاز حاسب ألي‫.‫‫‫ بالإضافة إلي كل ذلك فأن ثورات الربيع العربي أدت ‫، في أغلبها ‫، إلي العديد من المأسي التي غيرت ولازالت تغير من عقائد الناس‫.‫ فكان من نتائجها إتجاه الكثيرين إلي قطبي التشدد والإلحاد ‫، وأصبح الإعتدال في الرأي في ما بين هذين القطبين قليلاً ‫، بل ونادراً‫.‫

وقد كنت ‫، طوال هذه السنوات ‫، متابعاً صامتاً لهذه التطورات‫.‫ أقرأ مابين السطور في هدوء وأتبع الرأي والرأي الأخر‫.‫ محاولاً فهم هذه المستجدات  والوقوف علي أساسياتها‫.‫ وأظنني قد فعلت‫.‫ إن كل هذه العوامل قد أفضي ببلادنا العربية إلي وقفة تحدٍ بين شبابها‫.‫ وعلت الأصوات في قطبي العقيدة وما بينهما ‫، فتري من ناحية التشدد الأصولي يزداد بين البعض ‫، ومثاله الأكثر وضوحاً ظهور منظمة داعش وخلاياها المختلفة ‫، ومن ناحيةٍ أخري تري الإتجاه المعاكس من العلمانية واللادينية‫ ‫(‫وإن كنت لا أجمعهما معاً في بوتقةٍ واحدة‫)‫‫.‫ فسألت نفسي ماهي مطالب كلا القطبين‫؟ وما هو موقفي أنا منها‫؟ فكانت الإجابة كالأتي‫: القطب المتشدد دينياً يطالب وبشدة بإعمال وتطبيق الشريعة الإسلامية في صورتها الأكثر تشدداً ‫، والقطب المعاكس يطالب وبشدة في إعمال العلمانية وتطبيق الدولة المدنية التي تساوي بين كل الأطراف بلا أي إعتبار للدين أو العقيدة‫.‫ وقد يعرف من قرأ لي من قبل أنني من المستحيل أن أقبل الرأي الأول ‫، ولذلك للعديد من الأسباب ليس من أقلها إختلافي التام مع تفسيرهم للدين وللأوامر الإلهية‫.‫ وقد كتبت الكثير من المقالات في ذلك ‫، ووضعت منهجاً رأيته سديداً في فهم أوامر الله إلينا‫.‫ ومن يريد أن يستزيد من ذلك فلينظر مقالي ‫"‫إعمال العقول في فهم الأصول‫"‫ أو المختصر المفيد في ‫"‫دستور مسلمون ولكن‫.‫‫"‫ أما الرأي المخالف في الإتجاه الأخر فقد تساءلت‫: ماذا يريد هؤلاء بالضبط‫؟ فكانت الإجابة‫: ‫"‫نحن نريد المساواة في المعاملات المدنية والقضائية والجنائية‫.‫ نريد دولة المواطنة‫.‫ أين العدل في تطبيق تشريعات الميراث الإسلامية أو بإباحة تعدد الزوجات الذي بالضرورة يظلم المرأة ‫، أو إباحة ضرب الرجل لزوجته‫؟ حتي لو كان كل ذلك مشروطاً ومقيداً بنظم وتشريعات وصل لها الأقدمون بأفكار عصرهم‫؟ نحن نطالب بحقوق الإنسان كما فهمها الإنسان الحديث ‫، نحن نطالب أن نعيش في بلاد لا تعاملنا علي أننا مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة‫.‫ وحتي لو قبل المسلمون كل تلك التشريعات فنحن لا نقبلها ‫، ولا نري عدلاً في تطبيقها علي غير المسلمين مثلاً‫.‫‫"‫

وهكذا ‫، إشتعلت الحوارات والنقاشات ‫، كل جانب يريد أن يملي علي الجانب الأخر رأيه‫.‫ القطب الأول يري في الثاني كفاراً لا حق لهم أصلاً أن يكون لهم مطالب ‫، والقطب الثاني يري الأول إرهابيين يريدون قطع الرؤوس‫.‫ فما هو الحل إذاً‫؟ هل من الممكن أن تري بلادنا العربية يوماً يعيش فيه هذان الطرفان معاً في سلام ويحترم كل منهما الأخر‫؟ وكيف يكون ذلك‫؟ إذا طبق الطرف الأول رأيه كما هو الحال في معظم بلادنا اليوم ‫، فلن يستطيع الطرف الثاني العيش في سلام ‫، وإذا طبق الطرف الثاني رأيه وفرضه علي الأول ‫، فسيظل هذا الأخير يشعر أنه قابضاً علي جمرةٍ من نار وأن الدولة قد حرمت حلاله وقمعت فروض الله في شريعته‫.‫

ولكن

ربما يكون بالفعل هناك حلاً قد يرضي جميع الأطراف‫.‫ هناك قاعدة شرعية إسمها قاعدة ‫"‫تقييد المباح‫‫.‫‫"‫ وهي في مختصرها إمكان وضع قيود على الحكم الشرعي في استعماله، ولا يعني (تقييد المباح) إلغاء الحكم وانتقاله من الإباحة إلى الحرمة أو الوجوب ‫، ولكنه حق لولي الأمر ‫، أي القانون الوضعي ‫، في تقييد العمل بما هو مباح‫ في أصل الدين‫.‫ من أكبر الأمثلة علي ذلك هو تقييد الرق في الدول الإسلامية‫.‫ فلا شك عند أي من الأصوليين أن الرق مباح في الإسلام ‫، وإن كانت له شروطاً في التطبيق ‫، ومع ذلك فقد رأت الدول صاحبة الأغلبية المسلمة ضرورة تقييده إلي حد التجريم قانوناً‫.‫ فكانت الدولة العثمانية أول من قام بذلك من حوالي 175 عاماً ‫، علي الرغم من إعتراض بعض الفقهاء أيامها‫.‫ ولكن بمرور الوقت إقتنع أغلبهم ‫، إن لم يكن كلهم ‫، أن هذا يقع تحت طائلة قاعدة تقييد المباح ‫، لأن ولي الأمر قد رأي أن العبودية وإسترقاق البشر مم عف عليه الزمن وتخطته الإنسانية‫.‫ ومع ذلك فأن باقي الدول الإسلامية إستمرت في ذلك حتي أن الرق لم يلغي رسمياً في المملكة العربية السعودية حتي عام 1962 ‫، وكانت موريتانيا أخر الدول الإسلامية التي ألغت الرق رسمياً عام 1981 وفعلياً في عام 2007 بقوة القانون‫ ‫(‫علي الرغم من أن بعض تقارير حقوق الإنسان تشير أن هذه الممارسة البغيضة لازالت مستمرة إلي يومنا هذا في بعض المناطق في موريتانيا‫)‫‫.‫

هل هناك أمثلة أخري من تقييد المباح‫؟

نعم ‫، إلغاء تعدد الزوجات في دولة تونس عام 1956 ‫، وهي إلي يومنا هذا الدولة العربية الوحيدة التي قامت بذلك‫.‫ وإن كان هذا الأخير تحديداً لي فيه رأي قد أوضحته سابقاً في مقالي ‫"‫الحاج متولي وزوجاته الأربعة‫.‫‫"‫

الشاهد هنا هو الأتي‫: أن هناك الكثير من أحكام الدين الإسلامي التقليدية قد تقع تحت طائلة المباحات وليس الفروض ‫، ونحن إذ نتحدث هنا عن ذلك لا نطالب بتحريم الحلال ‫، ولكننا نطالب بإعمال الفكر فيه من واقع قاعدة تقييد المباح ‫، ونري أن ذلك قد يكون حلاً ‫، لنقل دبلوماسياً ‫، يريح جميع الأطراف‫.‫ فمثلاً إذا أصدرت مصر ‫، أو غيرها ‫، قانوناً يجرم ضرب الزوجة أو إغتصابها ‫، ألا يقع هذا تحت قاعدة تقييد المباح‫؟ لا يحرم ضرب الزوجة ‫، فلا يستطيع أحد أن يحرمه لأنه مباح بأية قرأنية‫.‫ ولا يحرم إغتصابها ‫، مع أن الفقه التقليدي ‫(‫أكرر التقليدي‫)‫ لا يعترف أصلاً أن هناك ما يسمي بالإغتصاب الزوجي‫.‫ ولكن إذا رأي ولي الأمر ‫، أي المشرع المعاصر ‫، أن هذه مباحات عفا عليها الزمن وتجاوزتها الإنسانية ‫، مثل الرق ‫، فهل يكون له الحق في إلغائها ووضع قوانين تجرمها كما فعل تماماً في مسألة الرق في عموم البلاد ‫، ومسألة تعدد الزوجات في تونس‫؟

نحن لا نملي رأياً ‫، ولكننا فقط نتساءل‫.‫

من ناحية أخري فهناك مطالبات لا تقع تحت قاعدة تقييد المباح ‫، لأنها ليست من المباحات ولكنها من الأوامر والنواهي ‫، علي سبيل المثال مسألة المساواة في الميراث‫.‫ ولكن لهذه أيضاً مخرجاً قد يريح الجميع لعلنا نفرد له مقالاً أخر‫.‫ وحتي يتسني لنا هذا فأننا نطالب كلا الطرفين بالهدوء والحوار ‫، فما نمر به الأن في الشرق الأوسط هو بداية حوار ‫، وليس صراع ‫، قد مرت به العديد من الثقافات في ما خلا من الأزمان ‫، وقد وصلوا فيه إلي حلولاً ‫، قد لا تنطبق بالضرورة علينا ‫، ولكنهم قد أثبتوا أن لكل خلافٍ حل ولكل سؤالٍ إجابة‫.‫ فهل نستطيع نحن أن نصل إلي الحلول التي ‫، ربما ‫، قد ترضي جميع الأطراف‫؟